JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
Startseite

حين يصبح الوطن قصيدة: "حياة الشاعر محمود درويش"

محمود درويش sa7ardesigns 
 


في بداية الطريق:

في بداية الطريق، لم أكن أرى نفسي أكثر من طفل يلهو تحت أشجار الزيتون، لكن تلك اللحظة البسيطة كانت تحمل بذور الغربة. كنت أستمع إلى جدتي تحكي عن قريتنا البروة، كيف كانت الأرض تغني عندما تهطل الأمطار، ولم أكن أعلم أن هذه الحكايات ستصبح يوماً ما أشعاري، وأن الزيتون الذي أحببته سيصبح رمزاً للرحيل والحنين. كانت كلماتها، التي تنساب كالماء العذب، هي النبع الذي تغذى منه خيالي، وكانت تلك اللحظات البسيطة هي التي شكّلت لاحقاً هويتي ووجداني.

الطفولة والجذور:

في قرية البروة الصغيرة، الواقعة في الجليل شمال فلسطين، ولد محمود درويش عام 1941. تلك القرية، بجبالها الشامخة وزيتونها المبارك، كانت عالمه الأول. كان محمود الطفل الرابع لعائلة فلسطينية متواضعة تعمل في الأرض، تكافح من أجل لقمة العيش. عاش في أجواء مليئة بالحب والأمل رغم الصعوبات، حيث كانت العائلة تتجمع حول مائدة الطعام، يحكي الأب عن تاريخ الأجداد والمستقبل المشرق الذي سيعود فيه الشعب الفلسطيني إلى أرضه. لكن في عام 1948، وقبل أن يتم السابعة من عمره، تغير كل شيء. كان صوت الانفجارات أقرب إلى كابوس لا ينتهي، ووجدت الأسرة نفسها مجبرة على ترك كل شيء والفرار إلى لبنان، تاركين وراءهم المنازل والأحلام. كان محمود يرى هذه اللحظة كأنها فراق لا يمكن تصوره، لكنه لم يعلم أن هذه الهجرة القسرية ستصبح محور شعره وموضوعه الأساسي. يقول محمود في إحدى مقابلاته:
"تركت البروة لكن البروة لم تتركني. إنها تسكنني، كلما كتبت، شعرت أنني أعود إليها."

النشأة في المنفى:

حياة المنفى لم تكن سهلة على طفل صغير. في لبنان، عاش محمود وأسرته كلاجئين، معتمدين على المساعدات الإنسانية. لكن حتى في تلك الظروف القاسية، لم يفقد محمود شغفه بالقراءة. كان الكتاب هو رفيقه، وتعلم في المنفى أن الأدب هو الحبل الذي يربطه بوطنه المسلوب. في تلك الفترة، بدأ يشعر بثقل الكلمة "لاجئ"، وكيف يمكنها أن تسرق من الإنسان هويته وكرامته. لكن في المقابل، وجدت روح محمود عزاءً في الكلمة المكتوبة. بدأ يقرأ كل ما تصل إليه يداه، من الأدب العربي الكلاسيكي إلى الشعر العالمي. كانت القصيدة بالنسبة له وسيلة لفهم العالم الذي انقلب رأساً على عقب. بدأ يكتب في سن مبكرة، متأثراً بكبار الشعراء مثل نزار قباني وأدونيس، حتى بدأت موهبته الشعرية تتشكل وتنضج.
محمود درويش - شاعر فلسطيني 🇵🇸 

العودة إلى فلسطين:

بعد سنوات من التشرد، عادت عائلة درويش إلى فلسطين، لكنهم لم يعودوا إلى قريتهم البروة. كانت القرية قد دُمرت بالكامل، وبُنيت على أنقاضها مستوطنة إسرائيلية. استقرت الأسرة في قرية جديدة، لكنها كانت بالنسبة لمحمود أرضًا غريبة. كان كل شيء حوله مختلفاً: المنازل الجديدة، طرقات المدينة، والأشخاص الذين لا يعرفهم. بدأ في تلك الفترة بكتابة الشعر. كان يكتب عن الحب والحياة، ولكنه سرعان ما اكتشف أن الشعر الذي يخرج من قلبه يحمل جرح فلسطين بأكمله. قصيدته الأولى التي نُشرت كانت بمثابة صرخة تعبر عن ألم شعب بأكمله. كانت القصيدة بالنسبة له أكثر من مجرد كلمات، كانت تعبيراً عن هويته الفلسطينية التي لا يمكن أن تُمحى.

الشعر كنضال:

في سن المراهقة، بدأ محمود يكتب قصائد تتحدث عن الاحتلال والنفي. لم يكن الشعر بالنسبة له ترفًا أو هواية، بل كان شكلاً من أشكال المقاومة. قصيدته الشهيرة "سجّل أنا عربي" أصبحت رمزاً للنضال الفلسطيني، تُردد في كل مكان. لم يكن محمود مجرد شاعر، بل كان صوتاً لمن لا صوت لهم، وكان شعره يعكس معاناة شعبه وتاريخهم في مواجهة الظلم. لكن هذا الصوت الثائر لم يمر مرور الكرام. تعرض محمود للملاحقة والاعتقال عدة مرات بسبب كلماته التي كانت تعتبر تهديدًا. ومع ذلك، لم يتوقف عن الكتابة، بل أصبحت القصيدة لديه أقوى من السلاح. كتب أكثر من عشرين مجموعة شعرية وألف العديد من الكتب التي تُرجمت إلى عدة لغات، مما جعل اسمه يسطع في سماء الأدب العالمي.

المنفى مرة أخرى:

في السبعينيات، وجد محمود نفسه مرة أخرى في المنفى، متنقلاً بين عواصم العالم العربي والغربي. كان يحمل وطنه في قلبه وقصائده. في كل بلد يزوره، كان محمود يمثل الصوت الفلسطيني الذي يروي للعالم حكاية شعبه. كان يراها مهمة تاريخية، بأن الشعر ليس فقط وسيلة تعبير، بل رسالة موجهة للعالم. في تلك الفترة، كتب درويش بعضًا من أعظم أعماله مثل "مديح الظل العالي" و"أحبكِ أو لا أحبكِ". شعره لم يكن فقط عن النكبة والنفي، بل كان عن الحب، الهوية، والأسئلة الوجودية. كان يتساءل عن معنى الحياة، عن الذات، وعن المصير.

نهاية الجزء الأول:

في كل خطوة في حياتي، كنت أشعر أنني أحمل وطناً على كتفي. الشعر كان بيتي الوحيد، الكلمة كانت سلاحي، والقصيدة كانت نافذتي إلى العالم. لم أختر أن أكون شاعراً، بل النفي والاغتراب اختاراني لأكون صوت من لا صوت له."

Photo by Beyzaa Yurtkuran: 


NameE-MailNachricht